الرئيسية / رئيسي / صندوق النقد الدولي والاقتصاد الأردني المتدهور .. !!

صندوق النقد الدولي والاقتصاد الأردني المتدهور .. !!

إصلاح جو –        يصف الأردنيون حكوماتهم، بأنها حكومات تصريف أعمال، لعدم وجود تشخيصات تتصدى لسياسات الحكم الاقتصادية بالنقد والمراجعة، والدعوة للتصحيح والتصويب. والأخطر من ذلك أن كثيرين من ممثلي الفكر الاقتصادي الليبرالي بادر إلى تزيين مسيرة الاقتصاد الأردني، وإلى اعتبار الأزمة التي يمر بها الاقتصاد منذ ثلاثة عقود مضت أو يزيد هي مجرد انحراف عارض ومؤقت في هذه المسيرة، الموصوفة بـ«النجاح»!!

وبداية ــ لا بدّ ــ من التأكيد على أن الاقتصاد الأردني كان سيتأثر إيجابا بما يحدث على الساحتين العالمية والإقليمية من تطورات، فمدى تأثر الاقتصاد الأردني بالأزمة المالية يرتبط بمدى تعامل الأردن مع الأسواق العالمية (أسواق المال والإنتاج)، وبما أن الأردن لم يكن لديه يوما محافظ استثمارية في الأسواق المالية العالمية، وذلك لأن عجز الميزان التجاري يفوق نصف الناتج المحلي الإجمالي كان يجب على الأردن (اقتصاديا) أن يشهد نموا أعلى من السابق لا أقل.

ولو رصدنا تباطؤ معدل نمو الاقتصاد الأردني بالأرقام الحقيقية في العام الماضي 2016، والتباطؤ الأشد في العام 2017، سنجد أن هذه النتيجة جاءت من سوء تفاعل السياستين النقدية والمالية مع أزمات الائتمان العالمية، مما أضرّ بمعدلات نمو دخل الأردنيين.

فالأردن يعاني من أزمة اقتصادية خانقة؛ حيث ترتفع مؤشرات البطالة والمديونية العامة والعجز في الموازنة، وزاد من حدتها تراجع المساعدات الخارجية وارتفاع تكاليف اللجوء السوري، ولجوء الحكومات لحلول تقليدية أهمها زيادة الضرائب الاضافية على سكان الأردن.

ويُعَدُّ الاقتصاد الأردني عالمياً من الاقتصاديات الناشئة وهو عرضة للعديد من الصدمات على المستوى المحلي والخارجي؛ ويعاني من ضعف هيكل الإنتاج، وعجز الموازنة، وارتفاع الدَّيْن العام الداخلي والخارجي. كما أنه يعاني بشكل واضح وجلي من تداعيات الأزمات التي تحدث دوليًّا وإقليميًّا ومحليًّا؛ وبالتالي فهو محاط بالعديد من التداعيات والأزمات التي تؤثِّر فيه بشكل كبير، ويمكن تلخيص أهم المشاكل التي يُعاني منها الاقتصاد الأردني في الآتي:

(1): اقتصاد غير مُنْتِج: أي إنه يعتمد فقط على قطاع الخدمات والتجارة والسياحة، وبعض الصناعات الاستخراجية كالأسمدة والأدوية والفوسفات والبوتاس؛ وهذا يجعل حجم الصادرات الأردنية قليلًا جدًّا مقارنة بحجم ما يُسْتَوْرَد من الخارج من سلع وخدمات.

(2): ارتفاع عجز الموازنة العامة: ويُقصد بهذا المفهوم ارتفاع مستوى الإنفاق العام على الإيرادات العامة للدولة خلال فترة زمنية معينة؛ مما يعني حدوث فجوة مالية “Fiscal Gap” بين الإيرادات العامة والنفقات العامة؛ التي تقاس بالفرق بين الإيرادات والنفقات العامة، وتحسب كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي “Gross Domestic Product GDP”.

(3): ارتفاع الدين العام الداخلي والخارجي: وذلك بهدف تمويل العجز في الموازنة العامة للدولة ولتمويل القروض المكفولة لشركة الكهرباء الوطنية وسلطة المياه؛ فوفقًا لإحصائيات البنك المركزي فقد بلغ الدين الداخلي للدولة لعام 2014 (على سبيل المثال) ما مقداره 14.621.000.000 مليار دينار، مقارنة بـ  15.486.000.000  مليار دينار عام 2015، وبنسبة نمو بلغت 5.9%؛ أما الرصيد العام للدين العام الخارجي فقد بلغ في عام 2014 ما مقداره 8.030.100.000 مليار دينار مقارنة بـ  9.390.050.000 مليار دينار عام 2015، ويُشَكِّل الدين العام ما نسبته 86.2% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي.

 

(4): زيادة معدلات البطالة: معدلات البطالة في الأردن مرتفعة بشكل عام، وتشكِّل عبئًا كبيرًا على الحكومات المتعاقبة؛ فمعدلات البطالة المرتفعة مزمنة؛ أي إنها مرتفعة لفترات زمنية طويلة، وعند الرجوع إلى تقارير خاصة لوزارة العمل الأردنية والتقارير السنوية الصادرة عنها نلاحظ أن معدلات البطالة تفوق نسبة الــ  35%؛ وهذا دليل واضح على ضعف معدلات النمو الاقتصادي، وعدم قدرة الاقتصاد على إيجاد وظائف جديدة وتشغيل الراغبين في العمل والقادرين عليه عند مستويات الأجور السائدة في السوق، وعدم ملاءمة منظومة التعليم الحالية (لخريجي الجامعات) لمتطلَّبات سوق العمل.

(5): ارتفاع معدلات الضرائب الاضافية في الأردن: وخصوصًا الضرائب غير المباشرة؛ ولكن على السلع الأساسية، الأمر الذي يعني أنها تُصيب الجميع، ولا أحد يستطيع التملُّص منها؛ ومن تلك الضرائب ما هو مفروض على الماء والكهرباء، والمشتقات النفطية، والأدوية، وملابس الأطفال، والسيارات، وغير ذلك الكثير؛ الأمر الذي أدى إلى انخفاض معدلات الدخول الحقيقية للأفراد والمجتمع.

(6): انخفاض حجم المساعدات الخارجية: انخفض حجم المساعدات الخارجية المقدمة للأردن. ولا يوجد أدنى شك في أن تلك المساعدات ستتلاشى ولن تكون موجودة أصلاً؛ خصوصًا تلك المساعدات التي كان يتمُّ تقديمها بشكل سنوي من قِبَل دول الجوار الخليجية خاصة السعودية؛ فالمنحة الخليجية التي قُدِّمت على خمس سنوات وكانت تبلغ 5 مليارات دينار استنفدت، ولن تتجدَّد؛ خاصةً أن أسعار النفط العالمية قد انخفضت، وانعكس ذلك بشكل سلبي على إيرادات السعودية النفطية، وأدَّى إلى حدوث عجز في موازنتها؛ بل أدَّى إلى قيامها باتخاذ إجراءات داخلية؛ مثل: تخفيض الرواتب، وإيقاف العديد من المشاريع التي كانت تُمَوَّل من قِبَل الحكومة، ويُشرف عليها القطاع الخارجي؛ إضافة إلى الاقتراض من العالم الخارجي.

(7): انخفاض عوائد إيرادات القطاع السياحي: يُعَدُّ هذا القطاع من القطاعات المهمَّة في الاقتصاد الأردني؛ إذ إنه يُسهم بما نسبته 13% من الناتج المحلي الإجمالي؛ إلا أن إيرادات هذا القطاع وعدد السياح قد بدأ في الانخفاض وبشكل كبير؛ حيث انخفض عدد السياح من 5.326.501 ملايين سائح عام 2014 إلى 1.127.216 مليون سائح عام 2015؛ ومن ثَمَّ إلى 1.050.608 مليون سائح عام 2017؛ ولعل من أهم أسباب انخفاض عدد السياح وإيرادات السياحة هو ارتفاع تكاليف الإقامة والزيارة، إضافةً إلى الأوضاع السياسية الراهنة؛ التي بدأت بما يُسَمَّى “أزمة الربيع العربي” عام 2011، وما تلاها من أحداث نراها اليوم؛ تتمثَّل في الحرب الدائرة في سوريا والعراق، أضف إلى ذلك أن أعداد السياح الداخليين قد انخفض -أيضًا- بسبب ارتفاع التكاليف عليهم.

(8): ارتفاع تكلفة إيواء اللاجئين السوريين في الأردن: وفقًا للتقديرات الرسمية بلغ عدد اللاجئين السوريين الموجودين في المملكة ما يُقَدَّر بـ 1.7 مليون لاجئ. وتُقَدَّر تكلفة استضافة اللاجئين في الأردن خلال الفترة ما بين (2011 -2017) بنحو 6 مليارات و700 مليون دولار(حسب ما تعلنه المصادر الرسمية الحكومية !!؟) في حين تبلغ التكلفة التقديرية لخطة الاستجابة الأردنية للأزمة السورية للأعوام (2016 -2018) بنحو 7.9 مليارات دولار موزعة على النحو التالي: دعم مطلوب للاجئين يقدر بـ 2.483 مليار دولار، دعم مطلوب لتمكين المجتمعات المستضيفة يُقدَّر بـ 2.306 مليار دولار، دعم مطلوب للخزينة الأردنية يقدَّر بـ 3.201 مليارات دولار. ووفقًا لتصريحات رسمية سابقة من قبل أحد وزراء الداخلية الأردنيين السابقين، فإن عدد اللاجئين السورين في الأردن يُشَكِّل تقريبًا ما نسبته 20% من عدد السكان.

(9): وجود شبهات فساد ذات أثر مالي كبير في الأردن: هنالك العديد من قضايا الفساد التي ظهرت على السطح في الأردن؛ وكان لها أثر كبير على مصداقية الأردن وكيفية التعامل معها؛ منها: الاختلاسات في قضية الفساد الكبرى؛ التي تُسمَّى قضية “التسهيلات المصرفية”؛ التي قُدِّرت بـ 150 مليون دولار عام 2002، وقضية التجاوزات في بيع أراضي الساحل الجنوبي (رأس اليمانية) من أراضي منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، وقيام مجلس مفوضي سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة ببيع الأراضي ذوات الأرقام (19، 18، 17، 16، 3، 2، 1) والشوارع الواقعة بينها؛ التي تقع في الشاطئ الجنوبي (مرتفعات اليمانية) والبالغ مساحتها (178.313)م2 بمبلغ إجمالي 6.2 ملايين دينار لصالح شركة زارة للاستثمارات السياحية بناء على مذكرة مرفوعة من قبل المفوض لشؤون البنية التحتية والخدمات، دون طرح عطاء بذلك؛ حيث خُفِّض سعر الأرض من 15 مليون دينار إلى 6.2 ملايين دينار، وكان ذلك عام 2012.

أمَّا في عام 2011 فقد برزت قضية شركة الفوسفات؛ التي تَصَدَّر مديرها العام ( والمتهم هو زوج الأميرة بسمة)، وقضيتها تقدر باختلاسات بلغت قيمتها 950 مليون دينار أردني، ولاذ بعدها بالفرار إلى أوروبا، “ولم يتمكَّن القضاء الأردني حتى الآن من الإمساك به”، كما وتُقَدَّر المبالغ المختَلَسة التي يكتشفها ديوان المحاسبة في الأردن سنويًّا بمئات الملايين من الدنانير. وتفاوتت تلك القضايا ما بين إساءة استعمال السلطة، وهدر المال العام، وواسطة ومحسوبية، والإخلال بالواجبات الوظيفية، واحتيال واستثمار الوظيفة والتزوير. وحسب التصنيف العالمي لمؤشرات الفساد؛ الذي يتم وضعه من قِبَل منظمة الشفافية العالمية (Transparency International) احتل الأردن عام 2016 المركز 57 من بين الدول الفاسدة في العالم.

ومن حق المواطن في الأردن أن يتساءل في ظل هذه الأوضاع الاقتصادية المزرية قائلا “إلى أين تأخذنا الحكومات، هل تهدف إلى إفلاسنا من خلال مصادرة ما نحصل عليه من أموال عبر الكد والتعب والشقاء الذي نكابده طوال النهار والليل، بهدف الحصول على مال يسترنا ولا يفضحنا أمام الناس؟”.   وهذا دليل على أن صبر المواطنين بدأ ينفد، فالسياسات الاقتصادية تعمل على حشر المواطن الغلبان في الزاوية، من أجل مص دمائه ووضع يدها في جيبه لتسرق قوته وتعبه في سبيل توفير الأموال لها ولمحاسيبها ليتمكنوا من العيش ببذخ ورفاهية على حساب جيوب سكان الأردن.

ونستطيع القول هنا؛ أن كل ما وصل إليه حال الاقتصاد الأردني هو نتيجة اتباع وصفات وإملاءات صندوق النقد الدولي، حيث بات الاقتصاد رهينة صندوق النقد ويعمل على تطبيق سياساته التي أثرت سلبا عليه وأدت إلى تراجع مستويات المعيشة لسكان الأردن.  وأصبح المجتمع يعيش أشد الظروف وأصعبها من حيث تهديد الأمن المجتمعي، في ظل التهديدات الداخلية المتمثلة بتأزم الوضع الاقتصادي عبر مشكلتي الفقر والبطالة. فقد أصبح ثلث الأردنيين فقراء أو يكادون.

ويذكر أن الحكومة الأردنية وقعت مع صندوق النقد الدولي مؤخرا اتفاق برنامج إصلاح مالي وهيكلي حتى عام 2019 يتضمن شروطا قاسية وفق خبراء؛ ويقوم برنامج الإصلاح هذا على ثلاثة محاور أساسية؛ هي زيادة المنح والمساعدات وتقليل نفقات الحكومة وزيادة إيراداتها من خلال تحسين كفاءة التحصيل المتحقق من الضرائب والرسوم، وإجراءات إصلاحية لموارد الدولة…!!؟

وللأسف؛ تعمل الحكومات المتعاقبة على تزيين وتنميق أهداف صندوق النقد الدولي، وذلك عبر تصريحاتهم المتكررة في محاولة منهم للرد على الأصوات المعارضة التي تنتقد ربط السياسات الاقتصادية برغبات وإملاءات الصندوق…!!؟.

  • بسّام عليّان / كاتب اجتماعي وباحث سياسي
  • المصدر : إصلاح جو

 

 

شاهد أيضاً

سبل تعزيز اواصر التعاون بين الأردن والعراق

إصلاح جو – أكد وزير الداخلية غالب الزعبي، ان هناك توجيهات ملكية مباشرة للحكومة لمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.